مــشــروع بــحــثــي مــشــتــرك بــيــن جــامــعــة نــيــويــورك أبــوظــبــي ومــنــتــدى ثــروات للــشــركــات الــعــائــلــيــة

أكثر من مجرد أعمال: إرث من الحرفية والاستمرارية FBHArticleSeries 2026 FatmaGhaly

حوار

أكثر من مجرد أعمال: إرث من الحرفية والاستمرارية

تدرك فاطمة غالي، الرئيسة التنفيذية لشركة حلي عزة فهمي وابنة مؤسِّسة العلامة، حجم الأثر العميق الذي أحدثه التزام والدتها بالبحث والتوثيق التاريخي والاستثمار في المواهب المحلية، سواء في مسيرة الشركة أو في المجتمع على نطاق أوسع. وتسلّط في هذا الحوار الضوء على إسهام كتب عزة فهمي البارزة ومبادراتها في نقل خبرات قيادية تمتد لعقود، والحفاظ في الوقت نفسه على جوانب من تاريخ الفن العالمي، بما يلهم رواد الأعمال والفنانين على حد سواء.

مقابلة مع فاطمة غالي

تستند تقاليد صناعة الحلي إلى إرث عريق من الفن والتاريخ، إلا أن أصحاب الرؤى الأكثر طموحاً يسعون إلى ما هو أبعد من ذلك، من خلال إحياء التقنيات القديمة وتأهيل أجيال جديدة من الحرفيين والحفاظ على الحكايات الثقافية. وتجسّد حلي عزة فهمي هذه الرؤية عبر الحرفية الأصيلة ودورها الفاعل في المجتمع.

بدأت رحلة عزة فهمي عام 1969، حين أصبحت تتدرب على حرفة صناعة الحلي في سوق خان الخليلي العريق بالقاهرة، لتؤسس لاحقاً شركة لتصميم الحلي اكتسبت شهرة عالمية. وتقود ابنتها فاطمة غالي اليوم مسيرة الشركة، التي تستلهم فنوناً عريقة تمتد لقرون لصياغة قطع معاصرة تحافظ على جذورها الثقافية. وكان وراء هذا النجاح شغفاً أعمق بالتعليم وصون التراث والحفاظ على حرفة كادت أن تندثر.

كيف بدأت أعمال عائلتكم؟

بدأت والدتي، عزة فهمي، رحلتها في عالم الأعمال عام 1969، حين أشعل اكتشافها كتاباً ألمانياً عن تصاميم العصور الوسطى شغفها بصناعة الحلي. وعقدت العزم على احتراف هذه الحرفة، لكن لم تكن هناك آنذاك في القاهرة جهة تقدم تدريباً متخصصاً في صناعة الحلي، فكانت أول امرأة تتدرب في خان الخليلي، سوق الحلي العريق في مصر. وتلقت تدريبها على يد أحد كبار الصاغة مساءً، بالتوازي مع استمرارها في عملها النهاري.

بعد بضع سنوات، وتحديداً خلال سبعينيات القرن الماضي، حصلت والدتي على منحة من المجلس الثقافي البريطاني، وغادرت مصر لاستكمال دراستها في حرفة صناعة الحلي في كلية لندن بوليتكنيك. وبعد عودتها، بدأت فعلياً في تأسيس أعمالها، فكانت تصنع الخواتم وتبيعها ثم تعيد استثمار كامل العائدات في تطوير المشروع. ومع نمو الشركة خلال فترة قصيرة، أدركت والدتي حاجتها إلى الاستعانة بحرفي يساعدها في تنفيذ القطع، بعدما كانت تتولى بنفسها حتى ذلك الوقت تصميم كل قطعة وصناعتها وبيعها. ومنذ ذلك الحين، واصلت الشركة توسعها بصورة طبيعية ومتدرجة.

عندما انضممتُ إلى الشركة في مطلع الألفية الجديدة، كانت والدتي تديرها بعقلية رائدة أعمال بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لكنني لاحظت أن المحاسبة والشؤون المالية وغيرها من المهام التشغيلية كانت تستنزف وقتها وتبعدها عن المجال الذي تتجلى فيه موهبتها الحقيقية، وهو تصميم الحلي . كان هدفي إعادة هيكلة الشركة بما يتيح لها التركيز على التصميم، وفي الوقت نفسه يمنحنا القدرة على استكشاف فرص جديدة من دون التأثير في جوهر عملنا. وبعد بضع سنوات، انضمت شقيقتي أمينة إلى الشركة بعد دراستها تصميم الحلي في إيطاليا والمملكة المتحدة. وأطلقت أمينة مجموعتها الأولى عام 2006، ولا تزال حتى اليوم تؤدي دوراً رئيسياً في رسم التوجه الإبداعي للعلامة.

أكثر من مجرد أعمال: إرث من الحرفية والاستمرارية FBHArticleSeries2026 AzzaFahmyatworkduringherearlyyearsinjewelrymaking Source AzzaFahmyJewellery scaled

عزة فهمي أثناء العمل في سنواتها الأولى في مجال صناعة المجوهرات

المصدر: حلي عزة فهمي

وثّقت والدتك مسيرتها الفنية وريادتها في مجال الأعمال في كتابين يتناولان سيرتها الذاتية. ما الذي ألهمها لتأليف هذين الكتابين؟

تتمتع والدتي بموهبة لافتة في البحث، وشغف بتوثيق تاريخ الحضارات والثقافات والحرف. كما تهتم كثيراً باقتناء الحلي التقليدية من مصر ومنطقة الشرق الأوسط. ويدفعها فضولها الكبير إلى البحث في العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي شكّلت الحلي والملابس والأنماط السائدة في كل حقبة زمنية. وعلى مدى أكثر من 30 عاماً، وثّقت نتائج أبحاثها بدقة، إلى أن شعرت بضرورة مشاركة هذا الرصيد المعرفي الضخم الذي راكمته على مر السنين.

ويحظى البعد الفني المرتبط بنقل هذا الإرث بأهمية كبيرة لدى والدتي ولدى عائلتنا.

فنقل المشاعر والأحاسيس والقصد الإبداعي يشكّل جوهر حرفتنا، كما يمثل توثيق السياق التاريخي الذي نشأت فيه هذه العناصر دافعاً أساسياً بالنسبة لها.

وقد دفعها هذا الالتزام بصون التراث ونقله إلى مواصلة الكتابة. وبعد نشر أول كتابين لها، أدركت أن هناك المزيد مما يستحق التوثيق والمشاركة. ومنذ ذلك الحين، أنجزت كتابها الثالث، وتعمل حالياً على كتاب رابع.

كيف أسهمت هذه الكتب في تعميق فهمك لإرث العائلة في عالم الأعمال؟ وكيف كان أثرها على المجتمع؟

نشأتُ أنا وشقيقتي على مقربة من الشركة منذ بداياتها، لذلك كنت أعرف بالفعل جانباً كبيراً من إرثها. لكن هذه الكتب أتاحت لي أن أرى بصورة أوضح مدى الأثر العميق الذي تركته رحلة والدتي ورسالتها في الآخرين. ومؤخراً، كنت برفقتها عندما اقتربت منا مجموعة من السيدات اللواتي فرغن للتو من قراءة سيرتها الذاتية، وقد تأثرن كثيراً بقصتها وما منحته لهن من إلهام. وكان من دواعي سعادتي الكبيرة أن أشهد هذا الأثر بنفسي.

وفي حلي عزة فهمي أدرجنا كتب والدتي ضمن برنامج التعريف المخصص للموظفين الجدد، لما لها من قدرة حقيقية على تغيير نظرتهم للعلامة وفهمهم لها. كما تلقى رحلتها في ريادة الأعمال صدىً واسعاً لدى الطامحين إلى تأسيس مشاريعهم الخاصة، وكذلك لدى من يواجهون تحديات في أعمالهم الحالية. وتؤكد تجربتها فكرة بالغة القوة، مفادها أن بإمكان أي شخص السعي لتحقيق أحلامه مهما كانت القيود التي يفرضها واقعه الراهن.

أكثر من مجرد أعمال: إرث من الحرفية والاستمرارية FBHArticleSeries2026 AselectionofbooksbyAzzaFahmy Source AzzaFahmyJewellery scaled

مجموعة مختارة من كتب عزة فهمي

المصدر: حلي عزة فهمي

لم تقتصر عائلتكم على الحفاظ على إرثها في عالم الأعمال، بل التزمت أيضاً باستدامة تقاليد الحرف اليدوية في المنطقة. وفي عام 2012، أسست العائلة مؤسسة عزة فهمي بهدف حماية الحرف اليدوية المصرية التقليدية وصونها، ثم أنشأت لاحقاً استوديو التصميم التابع لعزة فهمي. ما الذي ألهمكم لتأسيس المؤسسة والمدرسة؟

انطلقت فكرة المدرسة والمؤسسة من إيمان راسخ بأن ازدهار أي قطاع أو حرفة يعتمد بصورة أساسية على تأهيل أصحاب المواهب والمعرفة واستقطابهم إلى هذا المجال. فعندما أرادت والدتي تعلم صناعة الحلي ، لم تكن هناك في القاهرة أي مصادر أو جهات تتيح لها هذا النوع من التدريب. وبعد 30 عاماً، واجهت شقيقتي التحدي نفسه، واضطرت إلى السفر إلى أوروبا لتلقي تدريبها. ولا يملك الجميع القدرة على تحمل تكاليف السفر إلى الخارج لتعلم هذه الحرفة. كذلك فإن نجاح أي شركة تعمل في تصميم الحلي وصناعتها يتطلب الوصول إلى قاعدة من المواهب المتاحة داخل المنطقة، وهو خيار أكثر عملية واستدامة بكثير من استقدام الكفاءات من الخارج. ومن أجل بناء منظومة محلية متكاملة، أنشأنا مدرسة في القاهرة عام 2013 لتأهيل المصممين، وهي تقدم اليوم أيضاً برامج تدريب مهني متخصصة.

تتعرض العديد من تقنيات الشفتشي والتلوين التقليدية التي ندرّسها اليوم للاستبدال بأساليب حديثة، لذلك نولي أهمية كبيرة للحفاظ على هذه المهارات وصون إرثها.

 

ومن حسن حظنا أن بعضاً من أمهر حرفيي الشفتشي في العالم يواصلون ممارسة هذه الحرفة والحفاظ على تقاليدها. وبالطبع، لا يمكن إغفال الجانب التجاري عند إدارة أي شركة، حتى وإن كان الفن في صميم عملها. وسرعان ما أدركنا أن كثيراً من المصممين يفتقرون إلى المهارات الأساسية في إدارة الأعمال، لذلك عقدنا شراكة مع كلية التعليم المستمر في الجامعة الأمريكية بالقاهرة لتزويدهم أيضاً بالمعارف والمهارات اللازمة في إدارة الأعمال.

ماذا يعني لكِ أن تتولي مسؤولية صون إرث عائلتك من خلال دورك كرئيسة تنفيذية؟ وكيف تعملين أنتِ وشقيقتك معاً للحفاظ على هذا الإرث ونقله إلى أفراد العائلة والموظفين والمنطقة بأكملها؟

أجد هذه المسؤولية حافلة بالحماس، كما يمنحني الطابع التعاوني لعملنا دافعاً كبيراً. ويسعدني أن أواصل تطوير رؤية والدتي، وفي الوقت نفسه أشعر بقدر كبير من الرضا حين أضيف رؤيتي الخاصة إلى جانب رؤية شقيقتي. وقد نجحنا معاً في توحيد طموحاتنا وصياغة تجربة استثنائية.

يتمثل أحد التحديات التي تواجه الجيل الثاني أو الثالث في الشركات العائلية في تحمّل مسؤولية إرث بدأه شخص آخر، وغالباً ما يصاحب ذلك قدر من مقاومة التغيير. لكن والدتي كانت دائماً داعمة للغاية لتطور الشركة واستفادتها من الإسهامات التي تقدمها شقيقتي وأقدمها أنا. وليس من السهل على المؤسس تقبّل التغيير، إلا أن هذا التطور يتيح في نهاية المطاف لرؤية والدتي أن تتوسع وتتخذ مسارات ربما لم تتخيلها من قبل.

أكثر من مجرد أعمال: إرث من الحرفية والاستمرارية FBHArticleSeries2026 Fromlefttoright FatmaGhalyCEO Azza FahmyFounder AminaGhalyHeadDesignerofAzzaFahmyJewellery Source AzzaFahmyJewellery

من اليسار إلى اليمين: فاطمة غالي، الرئيسة التنفيذية؛ وعزة فهمي، المؤسِّسة؛ وأمينة غالي، رئيسة المصممين في حلي عزة فهمي

المصدر: حلي عزة فهمي

ما النصيحة التي تقدمينها للعائلات الأخرى التي تسعى إلى الحفاظ على إرثها أو حماية تراثها وثقافتها؟

لا يجب أن يبقى الإرث حبيس الماضي، فهو عنصر حي ومرن يمكن مواصلة تطويره والبناء عليه. وسواء امتد عبر مجالات متعددة أو توارثته أجيال متعاقبة، يمكن النظر إليه باعتباره منظومة تتوسع مع كل نشاط أو إسهام جديد. وتتعدد السبل التي تتيح للعائلات توثيق إرثها والحفاظ عليه، سواء من خلال الكتب والأبحاث، أو نقل التقاليد والمعارف بين الأجيال، أو إطلاق مبادرات جديدة تعكس القيم التي تؤمن بها. ويمكن لكل ما تقدّره العائلة أن يشكّل جزءاً من إرثها، بصرف النظر عن القطاع الذي تعمل فيه، كما تتوافر أساليب إبداعية لا حصر لها لصون هذا الإرث والتعبير عنه ومواصلة البناء عليه.
من الجميل أن ترى فكرة تبدأ صغيرة ثم تنمو وتتطور إلى ما هو أبعد مما تخيلته لها. وسيظل الصدق والأصالة قادرَيَن دائماً على إلهام الآخرين والتأثير فيهم.

تاريخ النشر: 28 أكتوبر 2026

ضيف

فاطمة غالي، الرئيسة التنفيذية لحلي عزة فهمي

تتمتع فاطمة بخبرة اختصاصية تزيد عن خمسة وعشرين عامًا في مجال تطوير الأعمال. بعد أن تعلمت أساسيات الشركة العائلية في سن مبكرة جدًا، أدت رؤية فاطمة للعلامة التجارية إلى تطوير أعمال عزة فهمي استراتيجيًا، من علامة تجارية محلية إلى دار تصميم عالمية فاخرة، توظف أكثر من 400 شخص. قادت فاطمة، القائدة صاحبة الرؤية، نمو العلامة التجارية ونجاحها من خلال التوسع والمشاريع التعاونية بين الثقافات وعززت القيم في الأسواق المحلية والإقليمية والدولية. كما تعد أيضًا إسهامات فاطمة جزءًا لا يتجزأ من تطوير استوديو التصميم ‏(DSAF)‏ الذي أنشأته والدتها في عام 2013؛ وهو مركز تدريبي تعليمي ممول بشكل مستقل مقره القاهرة. ويقدم استوديو التصميم دورات شاملة تعتمد على المناهج الدراسية لمصممي المجوهرات والطلاب الطموحين.